محمد الريشهري

15

منتخب حكم النبى الاعظم « صلى الله عليه وآله »

الباب الأوّل : العقل والجهل معنى العقل والجهل التفكير والتعقّل عماد الإسلام ، وركيزته الأساسية في العقائد والأخلاق والسلوك ، فهذه الشريعة السماوية لا تبيح للإنسان تصديق ما لا يراه العقل صحيحاً ، ولا التحلّي بما يستهجنه العقل من السجايا ، ولا الإتيان بما يستقبحه العقل من الأعمال . وانطلاقاً من هذه الرؤية جاءت الخطابات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وأحاديث أهل بيته عليهم السلام زاخرة بالمفردات الداعية إلى التفكير والتعقّل : كالتفكّر والتذكّر والتدبّر والتعقّل والتعلّم والتفقّه والذكر واللبّ والنُّهى ، وجعلت هذه المحاور مداراً ، وأكّدت عليها في توجّهاتها أكثر من أيّ شيء آخر ؛ حيث تكرّرت في القرآن الكريم كلمة العلم ومشتقّاتها 779 مرّة ، وكلمة الذكر 274 مرّة ، والعقل 49 مرّة ، والفقه 20 مرّة ، والفكر 18 مرّة ، واللبّ 16 مرّة ، والتدبّر 4 مرّات . يرى الإسلام أنّ العقل أساس الإنسان ، ومعيار لقيمته ودرجات كماله ، وملاك لتثمين قيمة الأعمال ، وميزان للجزاء ، وحجّة اللَّه الباطنية . العقل أثمن منحة إلهيّة وُهبت للإنسان ، وهو أوّل قاعدة للإسلام ، وأهمّ ركائز الحياة ، وأجمل حلية يتحلّى بها الإنسان . العقل أثمن ثروة ، وأفضل صديق ومرشد ، وأحسن معاقل أهل الإيمان . يرى الإسلام أنّ العلم بحاجة إلى العقل ؛ لأنّ العلم بلا عقل مضرّة ، ومن زاد علمه على عقله كان وبالًا عليه . وخلاصة القول هي أنّ الإسلام يرى أنّ السبيل الوحيد للتكامل المادي والمعنوي ، وإعمار الحياة الدنيا والآخرة ، والوصول إلى مجتمع إنساني أفضل ، وتحقيق الغاية السامية للإنسانية ، يكمن في التفكير السليم الصائب ، وكلّ المآسي والنكبات التي مُنيت بها البشرية جاءت كنتيجة للجهل وعدم تسخير طاقة الفكر ، ولهذا يعترف أصحاب العقائد الباطلة يوم القيامة عند الحساب بأسباب ما حلّ بهم من البلاء ، قائلين : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ . « 1 » العقل في اللغة أصل العقل في اللغة بمعنى المنع والحجر والنهي والحبس ؛ كعقل البعير بالعقال لمنعه من الحركة « 2 » ، ولدى الإنسان قوّة تسمّى بالعقل ، وهي التي تصونه من الجهل وتحميه من الانزلاق فكراً وعملًا .

--> ( 1 ) . الملك : 10 و 11 ( 2 ) . راجع : الصحاح : ج 5 ص 1769 ، المصباح المنير : ص 422 - 423